آخر تحديث:السبت ,31/12/2011
حسام ميرو
قد يكون تقييم حالة الثقافة العربية خلال عام 2011 مسألة صعبة ومعقدة للغاية، فهذا العام يبدو مفصلياً في تاريخ العرب المعاصر، وليس من الممكن الحديث عن أي إنجاز ثقافي في ظل حراك نوعي على مستوى الشعوب، هذا الحراك الذي لم توضح بعد هزاته الارتدادية على مختلف البنى، من اقتصاد واجتماع وثقافة، لكنه على الأرجح لن تكون تلك البنى بمنأى عما جرى، خاصة في بلد كبير ومهم عربياً مثل مصر، هذا البلد الذي تشكل التحولات فيه بوصلة للتحولات في البلدان العربية الأخرى .
لقد تحدث الروائي المصري إبراهيم أصلان خلال لقاء مفتوح مع الجمهور منذ أقل من شهرين في معرض الشارقة للكتاب حول تأثير ثورة يناير في الثقافة في مصر، ورأى أن هذه الثورة سيكون لها انعكاسات إيجابية على الكتابة بشكل عام، وهو ما أكده الناقد الدكتور جابر عصفور في محاضرته حول الرواية العربية التي ألقاها في ندوة الثقافة والعلوم في دبي منذ أسبوعين، ورأى د . عصفور أن الربيع العربي سيكون مؤثراً في مختلف الأشكال التي تندرج في إطار الثقافة، مثل الكتابة والفن والفكر .
إذاً، نحن أمام عام مفصلي يمضي، لكنه مستمر حقيقة في مفاعيله، وفي تشكيل إرهاصات جديدة لمستقبل ثقافي قد يمتد إلى عقود مقبلة، فكما كان عام 1967 عاما مفصلياً في تاريخ العرب المعاصر، فكذلك أيضاً عام ،2011 وإذا كان الفارق بين العامين يقارب النصف قرن، فإن الفارق الأهم هو أن عام 1967 هو عام الهزيمة العربية، تلك الهزيمة التي تأسس عليها الواقع الثقافي العربي، وتكيف معها سلباً أو إيجاباً، أما عام 2011 فهو إعادة التفكير جدياً بمسألة الحرية، وإذا كان الصراع الذي أدى إلى هزيمة 1967 هو الصراع مع “إسرائيل”، فإن ما فجر الربيع العربي هو إحساس المواطن العربي بأنه بات معدوم الكرامة، فكان إحراق البوعزيزي لنفسه هو تعبير صارخ عن رفض انعدام الكرامة، وانعدام العدالة، ذلك الحدث الذي كان بمثابة حريق يمتد خارج إطار الحادث الشخصي، ويحول التعبير الفردي إلى تعبير عام .
من منظور الربيع العربي يمكن القول إن أهم تحول في الثقافة العربية هو المشهدية التي تنحاز إلى التعبير الجماعي، وكأننا بصدد إعادة إنتاج لوحة الثقافة من جديد، فقد أكدت الأحداث أن التحكم بالمشهد من خلال “مخرجين” أفراد في مواقع متعددة أصبح غير مجدٍ في تأمين التوازن للوحة، وهكذا فإن عناصر اللوحة تنتفض من جديد كي تكون هي الفنان .
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل نحن أمام فرصة تاريخية لالتحام المثقف والمبدع بالناس من جديد؟، وهناك سؤال آخر لا يقل عنه أهمية، وهو : هل الثقافة العربية اليوم أمام امتحان الشرعية؟
إن مستقبل الثقافة العربية مرهون اليوم بإعادة التشكل، وهناك ذاكرة عربية جديدة تتفتح، وتستوعب ما يجري، وهناك أسماء كثيرة سيعاد النظر بما قدمته، وفي الظروف التي سمحت لها بالظهور، وهل تستحق المكانة التي تبوأتها؟، وكل هذا يتطلب فكراً نقدياً يستطيع أن يعيد النظر بتجربة الثقافة العربية، وأن يسائلها عما قدمته، وأن يعري مكامن الخلل فيها، وأن ينصف من لم يتم إنصافه لسبب أو لآخر .
في العام الماضي لمسنا استخداماً كبيراً لمواقع التواصل الاجتماعي، وظهور رغبة عارمة في التعبير عن الذات من مختلف شرائح المجتمع، وقد يكون من المفيد أن تكون الكتابات التي ظهرت على تلك المواقع محل دراسات جدية من قبل مثقفين ونقاد ومفكرين، وأن تكون محل تحليل وبحث، فقد استعادت الكتابة الكثير من وهجها كأداة للتعبير، وفجأة أصبح الكل يريد أن ينقل للآخرين مشاعره وأفكاره وخبراته، ما جعل الكتابة بحق أهم مساحة من مساحات الحرية .
بالتأكيد ثمة كتابة عربية مختلفة عما كان سائداً في طريقها إلى المشهد الإبداعي العربي، وهي كتابة أكثر جرأة، وأكثر مسؤولية، وهي نابعة من رحم تجارب عميقة، ومن الطبيعي أن تظهر أسماء كانت مغمورة، أو أسماء جديدة، وأن تختفي أسماء حرقتها الشمس اللاهبة للربيع العربي، وعرت هشاشة عظامها، وفضحت بنيتها الضعيفة، وهو ما يجعل من التفاؤل جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الثقافة الجديدة، فقد امتدت الكثير من الأصابع إلى القلم، وإلى لوحة “الكيبورد”، وهي لن تتخلى عما اكتشفته، وإنما سيكون عليها مهمة الاستمرار، وهو تحدٍ كبير سيثبت العام المقبل والأعوام التي ستليه مدى عمق تلك الاكتشافات، وعلى رأسها أن الكلمة والحرية هما توأما التغيير .
طباعــــة